أبي بكر الكاشاني
177
بدائع الصنائع
موضعها ولا احصار بعدما قدم مكة أو الحرم إن كان لا يمنع من الطواف ولم يذكر في الأصل أنه ان منع من الطواف ماذا حكمه وذكر الجصاص انه ان قدر على الوقوف والطواف جميعا أو قدر على أحدهما فليس بمحصر وان لم يقدر على واحد منهما فهو محصر وروى عن أبي يوسف أنه لا يكون الرجل محصرا بعدما دخل الحرم الا أن يكون بمكة عدو غالب يحول بينه وبين الدخول إلى مكة كما حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين دخول مكة فإذا كان كذلك فهو محصر وروى عن أبي يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة هل على أهل مكة احصار فقال لا فقلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحصر بالحديبية فقال كانت مكة إذ ذاك حربا وهي اليوم دار اسلام وليس فيها احصار والصحيح ما ذكره الجصاص من التفصيل انه إن كان يقدر على الوقوف أو على الطواف لا يكون محصرا وان لم يقدر على واحد منهما يكون محصرا أما إذا كان يقدر على الوقوف فلما ذكرنا وأما إذا كان يصل إلى الطواف فلان التحلل بالدم إنما رخص للمحصر لتعذر الطواف قائما مقامه بدلا عنه بمنزلة فائت الحج أنه يتحلل بعمل العمرة وهو الطواف فإذا قدر على الطواف فقد قدر على الأصل فلا يجوز التحلل وأما إذا لم يقدر على الوصول إلى أحدهما فلانه في حكم المحصر في الحل فيجوز له أن يتحلل والله عز وجل أعلم ثم الاحصار كما يكون عن الحج يكون عن العمرة عند عامة العلماء وقال بعضهم لا احصار عن العمرة وجه قوله أن الاحصار لخوف الفوت والعمرة لا تحتمل الفوت لان سائر الأوقات وقت لها فلا يخاف فوتها بخلاف الحج فإنه يحتمل الفوت فيتحقق الاحصار عنه ولنا قوله تعالى فان أحصرتم فما استيسر من الهدى عقيب قوله عز وجل وأتموا الحج والعمرة لله فكان المراد منه والله أعلم فان أحصرتم عن اتمامهما فما استيسر من الهدى وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم حصروا بالحديبية فحال كفار قريش بينهم وبين البيت وكانوا معتمرين فنحروا هديهم وحلقوا رؤسهم وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عمرتهم في العام القابل حتى سميت عمرة القضاء ولان التحلل بالهدى في الحج لمعنى هو موجود في العمرة وهو ما ذكرنا من التضرر بامتداد الاحرام والله أعلم * ( فصل ) * وأما حكم الاحصار فالاحصار يتعلق به أحكام لكن الأصل فيه حكمان أحدهما جواز التحلل عن الاحرام والثاني وجوب قضاء ما أحرم به بعد التحلل أما جواز التحلل فالكلام فيه في مواضع في تفسير التحلل وفي بيان جوازه وفي بيان ما يتحلل به وفي بيان مكانه وفي بيان زمانه وفي بيان حكم التحلل اما الأول فالتحلل هو فسخ الاحرام والخروج منه بالطريق الموضوع له شرعا وأما دليل جوازه فقوله تعالى فان أحصرتم فما استيسر من الهدى وفيه اضمار ومعناه والله أعلم فان أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما تيسر من الهدى إذ الاحصار نفسه لا يوجب الهدى ألا ترى أن له أن لا يتحلل ويبقى محرما كما كان إلى أن يزول المانع فيمضي في موجب الاحرام وهو كقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية معناه فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق ففدية والا فكون الأذى في رأسه لا يوجب الفدية وكذا قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر معناه فأفطر فعدة من أيام أخر والا فنفس المرض والسفر لا يوجب الصوم في عدة من أيام أخر وكذا قوله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه معناه فأكل فلا اثم عليه والا فنفس الاضطرار لا يوجب الاثم كذا ههنا ولان المحصر محتاج إلى التحلل لأنه منع عن المضي في موجب الاحرام على وجه لا يمكنه الدفع فلو لم يجز له التحلل لبقي محرما لا يحل له ما حظره الاحرام إلى أن يزول المانع فيمضي في موجب الاحرام وفيه من الضرر والحرج مالا يخفى فمست الحاجة إلى التحلل والخروج من الاحرام دفعا للضرر والحرج وسواء كان الاحصار عن الحج أو عن العمرة أو عنهما عند عامة العلماء لما ذكرنا والله عز وجل أعلم وأما بيان ما يتحلل به فالمحصر نوعان نوع لا يتحلل الا بالهدى ونوع يتحلل بغير الهدى أما الذي لا يتحلل الا بالهدى فكل من منع من المضي في موجب الاحرام حقيقة أو منع منه شرعا حقا لله تعالى لا لحق العبد على ما ذكرنا فهذا لا يتحلل